يرى الدكتور إسماعيل أدارامولا أن جولة المفاوضات الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران قد لا تُعد اختراقاً تاريخياً حتى الآن، لكنها قد تتحول إلى محطة مفصلية في تاريخ الدبلوماسية النووية إذا نجحت في إرساء أسس تسوية مستدامة. ويؤكد أن المباحثات الأخيرة أعادت الحوار إلى واجهة العلاقات بين واشنطن وطهران بعد سنوات من العقوبات والمواجهات غير المباشرة والتصعيد العسكري، لتطرح سؤالاً أساسياً حول قدرة الدبلوماسية على حماية نظام منع الانتشار النووي العالمي.


وأوضح الكاتب في مقال نشره موقع ميدل إيست مونيتور أن المفاوضات التي استضافتها سويسرا أسفرت عن وضع خريطة طريق لمواصلة التفاوض بشأن الملف النووي والقضايا الأمنية الإقليمية، بما يعكس انتقال العلاقات الأمريكية الإيرانية من مرحلة المواجهة المفتوحة إلى إدارة الخلاف عبر القنوات الدبلوماسية، في وقت يراقب المجتمع الدولي مدى قدرة هذه العملية على استعادة الثقة في الاتفاقات النووية.

 


المفاوضات النووية تتجاوز العلاقات الثنائية



يشير الكاتب إلى أن أهمية العلاقات الأمريكية الإيرانية لا تقتصر على البلدين، بل تمتد إلى النظام الدولي بأكمله. فمنذ الثورة الإيرانية ظلت العلاقات بين الطرفين محكومة بانعدام الثقة، قبل أن يتحول الملف النووي إلى القضية الأكثر حساسية خلال العقدين الماضيين، وصولاً إلى الاتفاق النووي الشامل الذي فرض قيوداً على البرنامج النووي الإيراني مقابل تخفيف العقوبات.


ويرى أن تراجع ذلك الاتفاق وعودة التوترات الإقليمية أضعفا الثقة في جدوى الدبلوماسية النووية، لذلك تمثل الجولة الحالية اختباراً حقيقياً لقدرة التفاوض على الحفاظ على نظام منع الانتشار النووي في عالم يشهد تصاعد المنافسة الاستراتيجية واعتماداً متزايداً على القوة العسكرية.


ولفت إلى أن المفاوضات انتقلت تدريجياً من اتصالات غير مباشرة في سلطنة عمان وأوروبا إلى لقاءات أكثر تقدماً في سويسرا، حيث ناقش الطرفان آليات التحقق من الالتزامات النووية، والعقوبات الاقتصادية، وأمن الملاحة البحرية، والاستقرار الإقليمي. ويرى أن نجاح الاتفاق لن يعتمد على البيانات السياسية، بل على فعالية آليات الرقابة والتحقق، لأن الاتفاقات النووية تستمد قوتها من نظم التفتيش التي تقلل الحاجة إلى الثقة المتبادلة.

 


الوساطة السويسرية وأهمية الدبلوماسية المحايدة


يؤكد التحليل أن سويسرا أعادت إثبات أهمية الدول المحايدة في إدارة الأزمات الدولية، بعدما وفرت بيئة تسمح باستمرار الحوار بعيداً عن ضغوط الصراعات الإقليمية. ويشير إلى أن الوسطاء لا ينهون النزاعات بمفردهم، لكنهم يهيئون الظروف التي تجعل الوصول إلى حلول وسط أمراً ممكناً.


ويرى الكاتب أن نجاح هذه الوساطة قد يعزز دور الدول المحايدة في إدارة الملفات النووية مستقبلاً، خاصة مع تراجع الثقة المباشرة بين القوى الكبرى، وهو ما يمنح المؤسسات الدولية والوسطاء المستقلين دوراً متزايداً في دعم الاستقرار العالمي.


كما يناقش التداعيات الأمنية للمفاوضات، موضحاً أن استمرارها قد يقلل احتمالات التصعيد العسكري ويحد من سباقات التسلح في الشرق الأوسط، بينما قد يدفع انهيارها دول المنطقة إلى الاعتقاد بأن الردع العسكري يوفر ضمانات أكبر من الاتفاقات الدولية، وهو ما يهدد مستقبل نظام منع الانتشار النووي.

 


أمن الطاقة ومستقبل النظام الإقليمي


يؤكد الكاتب أن الملف النووي لا ينفصل عن أسواق الطاقة العالمية، لأن مضيق هرمز يظل أحد أهم ممرات تصدير النفط في العالم. لذلك تحمل المفاوضات أبعاداً اقتصادية تتجاوز الملف النووي، إذ يسهم استقرار الملاحة البحرية في تهدئة أسواق الطاقة، وخفض أسعار النفط، وتقليل الضغوط التضخمية على الاقتصاد العالمي، بينما يؤدي فشل الدبلوماسية إلى نتائج معاكسة تزيد حالة عدم اليقين في الأسواق الدولية.


ويرى أن الشرق الأوسط يتجه تدريجياً نحو نظام إقليمي أكثر تعددية، تتراجع فيه هيمنة القوة الواحدة لصالح ترتيبات تقوم على التفاوض والشراكات الإقليمية، مع سعي الدول إلى تحقيق استقلالية أكبر في قراراتها الاستراتيجية، واعتماد الحوار والوساطة إلى جانب أدوات الردع التقليدية.
 

ويخلص الكاتب إلى أن مستقبل منع الانتشار النووي لن تحدده جولة تفاوض واحدة، بل ستحدده قدرة الأطراف على تحويل التفاهمات الحالية إلى التزامات قابلة للتنفيذ، تقوم على الشفافية وآليات التحقق وخفض التصعيد الإقليمي. فإذا نجحت المفاوضات في تحقيق هذه الأهداف، فقد تعزز النظام الدولي لمنع الانتشار النووي وتعيد الثقة في الحلول الدبلوماسية، أما إذا انهارت، فقد تدخل الساحة الدولية مرحلة جديدة ترى فيها دول عديدة أن امتلاك القدرات النووية يمثل الضمانة الأقوى لأمنها، وهو ما يهدد الاستقرار الإقليمي والدولي على المدى الطويل.

 

https://www.middleeastmonitor.com/20260626-the-future-of-nuclear-non-proliferation-after-recent-u-s-iran-negotiations/